Sunday, November 1, 2009

برمهنسا يوغانندا: وحدة الوجود ورؤية النور


وحدة الوجود ورؤية النور


المعلم برمهنسا يوغانندا

ترجمة: محمود عباس مسعود

مزيد من تعاليم المعلم برمهنسا في موقع سويدا يوغا على الرابط التالي:


بالطبع عندما أقول أن الله هو الغبطة فإنني أعني أيضا أنه دائم الوجود وأنه على

دراية واعية بوجوده المغبوط. وعندما نتمنى تذوّق الغبطة الأبدية أو الحضور

الإلهي فمن المؤكد أننا نرغب أيضا بوجودٍ أبديّ خالد لا يتغير وبوعيّ أو إحساس

دائم مصاحب لتلك الغبطة.

لقد برهنا في محاضرات سابقة بالاستدلال العقلي أننا جميعا - من أعلانا إلى

أدنانا- نطلب الغبطة، وأصبحت هذه المسألة أمراً مسلّّماً بصحته لدى النظر إلى

أعمال الناس وبواعثهم.

لنكرر هذا الطرح بصورة مختلفة قليلا: لنفرض جدلا أن كائنا عُلويا سيأتي إلينا

ويقول لشعوب الأرض كافة "أيها البشر، سأمنحكم أحزاناً أبدية وآلاماً لا تنتهي

مع وجود أبدي فهل تقبلوها؟" طبعاً لن يقبل أحد بمثل هذا العرض، لأن الكل يريد

غبطة أبدية مع وجود أبدي. إن النظر إلى دوافع البشر يبيّن أن ما من إنسان إلا

ويرغب بامتلاك الغبطة.

وبالمثل لا يوجد من يرغب بالتلاشي أو الفناء الذاتي، إذ مجرد التلميح إليهما

يبعث في النفس الفزع والهلع. الكل يرغب بالبقاء الدائم، ولكن إن عُرض علينا

وجود أبدي بدون وعي أو شعور بذلك الوجود لرفضناه. ما من أحد يرغب بوجود

لا شعوري. كلنا نرغب بوجود واع لا انتهاء له.

والآن ما هو الله؟ فإن كان الله شيئا مختلفاً عن الغبطة أو السرور الأعظم، وإن

كان الاتصال به لا يبعث الغبطة في نفوسنا أو لو كان الاتصال به لا يُبعد الألم عنا

لما رغبنا به ولما توجهنا إليه. ولو كان الله شيئا عديم المنفعة بالنسبة لنا لَما

آنا لنهتم بالتقرب منه. وما نفع فكرة عن رب يبقى مجهولا بالنسبة لنا، فلا

نتحسس حضوره في باطننا وفي بعض ظروف حياتنا على الأقل؟

ومهما كانت فكرتنا العقلية عن الله مثل: (إنه فائق أو هو موجود بنا ومن حولنا)،

فإن تلك الفكرة تبقى محاطة ومغلفة باللبس والغموض ما لم نحس بوجوده أيضا.

وبسبب هذا الالتباس والغموض في فكرتنا عن الله وتجربتنا معه نجد أنفسنا غير

قادرين على استيعاب مدى أهميته بالنسبة لنا وقيمته العملية للدين. وهذه النظرة

غير الواضحة تعجز عن توليد القناعة الكافية في نفوسنا، ولذلك فهي لا تغيّر

حياتنا ولا تؤثر على سلوكنا بطريقة محسوسة، ولا تحفزنا لبذل المجهود اللازم

للتعرف على الله.

وماذا يقول الدين العالمي عن الله؟ يقول أن البرهان على وجود الله يكمن في

نفوسنا. إنه اختبار باطني. لا بد أن تتذكر ولو لحظة واحدة في حياتك في الصلاة

أو المناجاة عندما شعرت أن القيود والعوائق الجسدية قد تلاشت أو كادت، وأن

الحب الصغير والكراهية واللذة والألم كلها تقلّصت في عقلك وتدفقت الغبطة

النقية والسكينة من قلبك واستمتعت بهدوء لا يعكّره شيء.. بالغبطة والرضاء.

ومع أن مثل هذا الاختبار السامي لا يحصل عادةً للجميع، لكن لا شك أن كل واحد

في وقت ما، في الدعاء أو التعبد أو التأمل، قد تمتّّع بلحظات قليلة من النشوة

الروحية والسلام النقي. ألا يُعتبر هذا برهاناً على وجود الله؟ وأي برهان مباشر

آخر يمكننا تقديمه عن وجود وطبيعة الله سوى الغبطة النقية التي نحس بها في

داخلنا أثناء الصلاة الصادقة أو العبادة الوجدانية الخالصة؟

وبالرغم من وجود دليل كوني عن وجود الله: من المعلول نرجع إلى العلة، ومن

العالم إلى بارئ العالم. وهناك أيضاً البرهان الغائي (المتعلق بالبحث عن غاية

الطبيعة).. من الخطط الكونية والتكيّف مع تلك الخطط وصولاً إلى العقل الكلي

صانع كل الخطط والتكيّفات. كما أن هناك البرهان الخلقي أيضا: فمن الضمير

والشعور بالكمال حتى الكائن المعصوم الذي نقف أمامه مطالَبين بواجباتنا

ومسؤولياتنا. ولكن يجب الاعتراف بأن هذه البراهين هي من نتاج "الاستدلال"

العقلي بدرجة تتراوح بين الزيادة والنقصان، إذ لا يمكننا امتلاك معرفة كاملة أو

مباشرة عن الله بواسطة قوى العقل المحدودة.

تعطي صورة مجتزئة وغير مباشرة intellect القوة المفكرة أو ملكة التفكير

للأشياء. فمعاينة الشيء معاينة عقلية معناه عدم رؤيته ونحن متحدون به، بل

هي intuition في هذه الحال نراه ونحن منفصلون عنه. ولكن بصيرة النفس

الوسيلة المباشرة لإدراك الحقيقة. وعن طريق هذه البصيرة يمكن إدراك وعي

الغبطة أو الوعي الإلهي.

لا خلاف على الوجود المطلق لوعي الغبطة ووعي الله، لأننا عندما نمتلك وعي

الغبطة نشعر بأن فرديتنا أو شخصيتنا الصغيرة قد تحولت وتبدّلت وأننا قد ترفّعنا

عن ازدواجية الحب والكراهية واللذة والألم وبلغنا مستوى منه تبدو حالات

الوعي العادي المحدود واضحة جلية. وكذلك نشعر بتمدد واتساع باطني وتعاطف

شامل مع كل شيء. في هذه الحالة تتلاشى ضوضاء العالم وتختفي الإثارة ويبزغ

في داخلنا الإحساس بوحدة الوجود وتظهر رؤية جلية للنور الكوني. كل الشوائب

والانحرافات تذوب في اللاشيء، فنحسّ وكأننا انتقلنا إلى عالم آخر: إلى مصدر

الغبطة الدائمة والديمومة السعيدة التي لا انتهاء لها. أليس إذاً وعي الغبطة هو

وعي الله الذي به تظهر آل حالات المعرفة المتقدم ذكرها؟

من الواضح إذاً أن الله لا يمكن تصوره سوى غبطة فيما إذا أردنا أن نأتي به إلى

مجال التجربة الهادئة والسعيدة لكل إنسان. عندها لن يظل الله افتراضاً خاضعاً

للنظريات العقلية. ألا تسمو فكرة الله هذه على غيرها من الأفكار؟ فهو يُظهر ذاته

في قلوبنا بصورة غبطة التأمل، في الصلوات العميقة والعبادة الصادقة. وطوبى

لصاحب النفس المطمئنة!

إذا عرفنا الله على هذا النحو أي بصورة الغبطة يمكننا عندها أن نجعل الدين ذا

ضرورة عالمية، لأنه ما من إنسان ينكر أنه يرغب في بلوغ الغبطة. وإن رغب

بتحصيلها بالطرق الصحيحة يُعتبر متديناً بسبب تقربه من الله وشعوره به،

بحسب ما وصفنا الله بأنه قريب من القلب بصورة الغبطة.

وإحساس الغبطة هذا أو الوعي الإلهي يمكنه أن يتخلل كل أعمالنا وطباعنا إذا ما

سمحنا له بذلك. وإن قدرنا على الاحتفاظ به لاستطعنا الحكم على القيمة الدينية

النسبية لأعمال وبواعث آل إنسان على هذه الأرض.

وإن أدركنا ولو لمرة واحدة أن بلوغ وعي الغبطة هو ديننا وهدفنا وغايتنا

القصوى، عندها ستتلاشى آل الشكوك المتعلقة بمعنى التعاليم المختلفة

والتوصيات والتحريمات الخاصة بأديان العالم المتنوعة، وسيتم تفسير آل شيء

على ضوء مرحلة النمو التي من أجلها فُُرضت تلك التعاليم وتم الإفتاء بها.

وستسطع أنوار الحقيقة وتتضح خفايا الوجود، وسيسلط الضوء على تفصيلات

حياتنا بما فيها من أعمال مختلفة ودوافع متنوعة. وسنتمكن من التمييز بين

الحقيقة والأوهام واليقظة والأحلام. آما سنبصر تفاهة العادات والتقاليد التي

كثيراً ما لعبت دوراً في تضليل البشر ووضع الحواجز بينهم. زد على ذلك أن

الدين لو تم فهمه بهذه الكيفية لما بقي إنسان في هذا العالم – صغيراً كان أو كبيراً

– غير قادر على ممارسته، سواء كان طالباً أو عاملاً أو محامياً أو طبيباً أو

مهندساً أو نجّاراً أو مدرّساًً أو عاملاً أو محسناً أو مهما كان وضعه في الحياة.

إن كان الدين هو التخلص من الشعور بالحاجة وبلوغ الغبطة فمن هو الذي لا

يرغب في أن يصبح متديناً، أو الذي لا يسعى لأن يصبح ذلك بدرجة أكبر إذا ما تم

تعريفه على الأساليب والطرق الصحيحة؟

آما ينبغي عدم التركيز هنا على تعدد الأديان. كل واحد في العالم بمقدوره أن

يكون متدينا بطريقته الخاصة، وباستطاعته أن يصبح ذلك بنجاح أكبر باستخدام

الوسائل الناجعة. هنا لا يوجد تمييز على أساس الطبقة أو المعتقد، الطائفة أو

المذهب، اللباس أو المناخ، العمر أو الجنس، المهنة أو المركز، لأن هذا الدين هو

دين عالمي. فكما أن الله هو الركيزة الأساسية لكل الأديان والمعتقدات فإن

التعرف عليه بصورة الغبطة هو القاسم المشترك لوعي أنبياء كل الأديان. ويجب

أن لا يتبادر إلى الذهن أن هذه الفكرة عن الله هي تجريدية ولا صلة لها بآمالنا

ومطامحنا الروحية...

الله ليس كائناً مثلنا بأفقنا الضيق ورؤيتنا البشرية المحدودة. إن وجودنا ووعينا

وشعورنا وقدراتنا الخلاقة لا تعدو كونها ظلاً لوعيه وغبطته. هو حضور مطلق

وفائق في حين وجودنا ووعينا وشعورنا هي أمور محدودة وعادية. لا حدود لهذه

الأمور في كيان الله، بل هي فائقة ولا متناهية.

إننا نحسّ بالله في السكينة التامة، ونتعرف عليه بوعي الغبطة. وليس من برهان

آخر على وجوده؟ وبصورة الغبطة تجد آمالنا وطموحاتنا الروحية في الله اكتمالاً

وتحقيقاً، مثلما تجد أشواقنا غرضا أو مادة للعبادة.

في وعي الغبطة نرتفع إلى ما فوق مباهج وأحزان العالم، ولكننا لا نتخطى

ضرورة إنجاز واجباتنا والتزاماتنا.

إن صاحب معرفة النفس يعلم يقيناً أن الله هو العامل الأوحد في الوجود، لأن آل

قوى الإنجاز تأتينا من الله. ومع تنمية عدم التعلق تتلاشى الأنا الصغيرة

وتضمحل، ونشعر أننا نقوم بأداء أدوارنا المخصصة لنا على مسرح العالم دون

أن نتأثر نفسياً بالظروف الإيجابية أو السلبية، بالمحبة أو البغضاء المقترنة بأداء

الأدوار. إن مسرحية الحياة هذه لا بداية لها ولا نهاية. آل واحد منا يجب أن يقوم

بدوره الذي يخصصه له مدير المسرح الأعظم دون تذمر أو استياء حباً

بالمسرحية وإكراماً لمدير المسرح. ومن يبلغ وعي الغبطة سيشعر بأن العالم هو

مسرحية فيقوم بأداء دوره بأفضل ما لديه من قدرات ومهارات فنية، متذكراً على

الدوام أنه يعمل بتوجيه وإرشاد مديرَ المسرح الأعظم: الله العلي القدير منبع آل

خير ومسرّة في الوجود.

إنسانية واحدة.. تجربة موحدة

إن فكرة وجود إنسانية واحدة وثقافة واحدة تضع أمامنا هدفاً عملياً وتحتم علينا بذل

المجهود وعمل آل ما يلزم لتحقيق ذلك الهدف.

وعبارة (إنسانية واحدة) تعني الإنسانية بكل ما فيها من أعراف وأعراق وأديان ولغات

وتيارات وتطورات. فالإنسانية هي واحدة في جوهرها وطموحاتها وفرصها المتاحة،

مثلما هي واحدة في إنجازاتها المادية والعقلية والأدبية والجمالية والروحية.

لا مناص اليوم للعقل العلمي من الإعتراف بأن عملية التطور لم تتوقف بل هي جارية

على قدم وساق. ومع أن هذا التطور لا يمكن ملاحظته بسهولة من الناحيتين الفيزيقية

والفسيولوجية في الجسم البشري، لكن من الواضح أننا لسنا مجرد كائنات حية بأجسام

وطاقات حيوية. فنحن أيضاً كائنات عقلية. فمن العالَم البيولوجي دخلنا العالَم

النفساني. الكثير منا يعيش في عالم الأفكار والتصورات والطموحات والإدراك الحسي

أو الحدسي، وقد يكون هناك من يعيش في عالم النشوة الروحية التي يختبرها

اليوغيون والصوفيون.

العملية تبدو منطقية لأننا كائنات واعية وعلى دراية بوعينا ولنا القدرة على التعامل

مع ما ندعوه ضميراً. وهذا يعني أننا شركاء في تطورنا الطبيعي المتواصل.

إنها مغامرة جديدة وفريدة من نوعها، لكنها مغامرة يدعونا إليها كياننا بأسره لأنها

ستقرر ماهيتنا وما سنكون عليه.

إن قطعة الصوان هي عمل من أعمال الطبيعة، لكن شحذها واستعمالها كأداة هو جزء

من ثقافة الإنسان.

المغارة هي كهف طبيعي، لكن صور الحيوانات المنحوتة على الصخور داخل الكهوف

هي فنٌ وجزءٌ لا يتجزأ من ثقافة الإنسان.

فأينما وحيثما استعمل الإنسان ملكاته وقواه المتعددة.. بدنية أو نفسية أو أدبية أو

جمالية أو روحية لعمل أو اختبار شيء ما، يظهر قدرته على التفاعل مع الحضارة

والثقافة العالمية. ولولا تفعيل تلك الطاقات لبقيتْ هاجعة آما في الطور الحيواني.

هذه المقدرة كامنة في الإنسان. ومهما كانت طبيعة تلك الثقافة وأينما وُجدت تبقى

ثقافة إنسانية وتراثاً مشتركاً للبشرية جمعاء.

وإذ نقرر هذه الحقيقة بأن الإنسانية واحدة وتراثها مشترك، لا بد أن ننقب في ماضينا

وحاضرنا ونستشرف أيضاً مستقبلنا.

لقد بلغ الإنسان مرحلة النضج حيث يمكنه تطوير نفسه والنهوض بها إلى مستويات

أرق وأرقى. ولا يمكن له أن يظل قانعاً في الجري مع تيار الزمن. فهو كائن مسؤول

على هذا الكوكب الأرضي.

وبخلاف الكائنات الأخرى، فهو ليس واعياً وحسب، بل يمتلك الوعي بالذات وهو أيضاً

على دراية بوعيه الذاتي. وباختصار إنه يعلم ويعلم أنه يعلم. لا يمكنه أن يتذرع بالجهل

لأنه يعرف ما هو قادر عليه فيما لو أراد أن يفعل ما يريد فعله.

إن لم يفعّل إرادته فالذنب ذنبه والضعف ضعفه.

قد يقول أنه حتى عندما يستخدم إرادته لا يمتلك مع ذلك القدرة على تحقيق ما يريد.

لكن تلك حجة واهية لأنه عندما يريد سيوقظ قوى هاجعة وطاقات بانتظار العمل. وعلى

قدر الإرادة التي يملكها يحصل على القوة التي يحتاجها.. (حقاً أن على قدر أهل العزم

تأتي العزائم...)

هذا ما يُتوقع من الإنسان المسؤول أن يفعله.. وسيفعله ما دام يؤمن بأنه واجب مقدس

يستحق الإهتمام والإنجاز (مشيناها خطىً كتبتْ علينا... ومن كتبتْ عليه خطىً مشاها).

ما من شك في أن الإنسان في تطور متواصل. فالله أو الطبيعة أو القوة الكونية أو ما

يرغب الإنسان في اعتباره أصل الحركة ومنبع الطاقة في الوجود لا يتوقف عن العمل

لحظة واحدة.

وفي هذه المرحلة من نشوء الإنسان فإنه مدعو للمشاركة في تطوره الذاتي لمساعدة

الطبيعة بدلا من الهبوط انحداراً من شلال النشوء والإرتقاء كقرمة من خشب.

إن فكرة إنسانية موحدة ليست من نسج الخيال بل من واقع الحال. فكلما تطورت وسائل

المواصلات والإتصال والعلوم والتقنيات تتوسع مدارك وعينا بالتوازي مع اكتشافاتنا

فنشرع بمحبة آل ما يقع وراء حدود بيئتنا الضيقة ونعمل جاهدين على التواصل مع

غيرنا بكل الوسائل المتوافرة. ولا عجب بأننا اليوم على معرفة بكل ما يحدث للناس في

هذا العالم حتى في أبعد الدول وأكثرها تخلفاً.

ومع هذا التواصل الحيوي بين أبناء الإنسانية الواحدة يحدث التعاطف وتتقارب الرؤى

وتختزل المسافات ويصبح العالم قرية واحدة (بحسب ما نلمس إرهاصاته.. بل ونختبره

في عصرنا هذا.

المصدر: مجلة معرفة الذات

No comments:

Post a Comment

Followers